الشهيد أنور أبو اللبن .. النبت الأصيل

شرق غزة - فجر

"هكذا تنقضي أيام أنور ، يتنقل بين مواقع الجهاد مشرفاً على عمل لجان حماس في منطقة الدرج ، وعاملاً في مجموعة الصاعقة الإسلامية ، يكتب التقارير الأمنية ويرصد العملاء ... يحاصرهم .. ينطلق إلى مدرسته يقود جموع شبان الكتلة الإسلامية ...يعود إلى مسجده يتلقى العلوم الإسلامية .. وينضم إلى أسرته الإخوانية نهاية نهاره يعضد معاني الإخوة ... لم يكن الفتي يعيش لذاته ... أمضى حياته من أجل الله .. فكان الاختيار الإلهي عزيزاً .. سريعاً .. كريماً".

انطلق البشير يهتف في الدنا ، ذاك الشبل الباسم الهادئ المتواضع الذي ما سمعه الكثيرون لأن حديثه لا يكاد يسمعه إلا من يتعمد ذلك ... انطلق البشير يدوي صوته ، لقد استشهد القسامي الأصغر سناً ، استشهد الشبل الذي عجب الجميع من جرأة التحدي وقوة المواجهة التي يتمتع بها في مواجهة العدو رغم سلاسته ورقته مع إخوانه.

الفتى الهادئ

دوى صوت البشير يبلّغ أهل الأرض أن القتال عزيمة .. وأن الرجال معادن .. وأن هذا المعدن الطيب الصلب هو من ذاك الأصل الذي جسده الشيخ المجاهد (حسين أبو اللبن).

لقد بدت ملامح الرجولة مبكرة على الفتى اليافع ، فبعد إلحاح كبير تم ضمه إلى مجموعات فعاليات الانتفاضة عبر لجان حماس الفاعلة . لم يكن الشبل المجاهد قد بلغ من العمر خمسة عشر عاماً حين امتشق سلاح الانتفاضة.

وكان حينها أصغر من يرتدي اللثام الفلسطيني الذي غدا معلم الفلسطيني المجاهد، وفي واحدة من الجولات الجهادية كان القدر يرسم مجداً لهذا الفتى الهادئ ، حين انطلق ضمن مجموعته الحمساوية ، ويرتسم في مخيلته الصحابي الجليل (أسامة بن زيد)، وهو يقود معسكر جيش المسلمين يفتح الله على يديه بلاد الروم.

كانت كل كوامن الفتى اليافع تنطلق ومحياه يبتسم وهو يرى بعين خياله كيف يمتطي خيل الجهاد ... وقائد الركب القسامي يمسك بعنان فرسه يوجهه للانطلاق نحو الهدف وتحقيق المراد ، من أجل بناء الدولة الإسلامية قوية الأركان .. يرحل (أنور) يومياً .. إلى القدس ، يتمنى استشهاده على تراب الأقصى الطهور .. ولكن ، ها هو يرحل في خياله إلى الماضي والمستقبل.

وها هي دورية من القوات الخاصة تنطلق نحو المجموعة الجهادية ينادي رفيق الرحلة الميمونة بالحذر .. يطلق (أنور) لساقيه الريح ويسابق الهواء.. زخات من الرصاص تنطلق خلف الفتى المجاهد ، تصيبه إحداها في قدمه يسقط على الأرض لا يستطيع حراكاً ، وتنقض عليه جموع الغربان تهوي عليه تمسكه كمن ضبط صيداً ثميناً ويرفعون اللثام عن وجهه البريء ، يعجبون !! أهذا الفتى الذي لم يتجاوز الخامسة عشرة هو الذي أقض مضاجعهم في تلك المنطقة وهم يستيقظون يومياً عشرات الشعارات الحمساوية والمتاريس المنتشرة تملأ الشوارع ... هل هذا الفتى هو السبب المباشر لهذا الإزعاج ما أتفه هذا الجيش، وما أهون قواته الخاصة !!

يقتاد الجند الفتى الباسم نحو المعتقل حيث مئات الشبان الفلسطينيين ، وفي زنازين النازية الجديدة أودع الفتى مصاباً بطلق ناري وأغلق الباب ، تكوم أنور يشكو الله إصابته في زاوية الزنزانة الباردة التي لا تملك أدنى مقومات الحياة ، وبدأ يتلو آيات حفظها من كتاب الله تعالى ويتمتم بأدعية تدفع عنه الشر والمكروه ، داعياً الله أن يحفظ عليه قلبه ووجدانه ، وأن يحمي إخوانه محنة السجن ... غاب أنور قليلاً عن وعيه وأخذته سنة من النوم ، وهي منحة إلهية في هذا الظرف العصيب الذي يعيشه الفتى الهادئ ... وغاب الفتى في أحلام وردية أخرجته من ضنك الحياة التي يعيشها.

قضى لحظات جميلة مع شقيقه وأستاذه (الشيخ حسين) الذي تتلمذ على يديه وعشق الإسلام منهج السماء من دروسه ، كم كان ينظر (الشيخ حسين) إلى شقيقه (أنور) نظرة خاصة.

احتضنه منذ لحظات الولادة الأولى حين أبصر الدنيا في نوفمبر من العام ألف وتسعمائة وأربعة وسبعين في حي الدرج بمدينة غزة حيث الأهل قد سكنوا منذ فترة وجيزة تلك المنطقة بعد أن غادروا مخيم جباليا الثورة إثر هجرتهم مع زحوف اللاجئين من قرية (سمسم) وكل أرجاء فلسطين . ودرج الطفل الصغير على بيت الله يؤدي حركات الصلاة كما علمها إياه الشيخ حسين ، وعلى هذه الزيارات فطم الفتى على عشق منهج السماء ، لا يرى ذاته إلا بعلو هذه الراية الخضراء التي لا يشعر بالأمن إلا في ظلالها الوارفة.

هذا الفتى أحبه كل من رآه ... البسمة لا تفارق وجهه الذي تشع منه علامات الإيمان ومحياه الجميل ينبؤك بمعالم شخصية طيبة الأصل كريمة الخصال .

وإذا عاشرته عن قرب كانت الشجاعة معلماً بارزاً لهذا الفتى الهادئ ، وفي صلاة الفجر في مسجد الشيخ الشهيد عز الدين القسام عليك أن تنظر إلى الصف الأول لترى الفتى لا ينقطع عن الصلاة ، وإذا قدّر لك أن تعتكف العشر الأواخر من شهر رمضان في بيت الله .. ستجد الفتى الباسم لا ينقطع عن قيام أو تلاوة قرآن أو جلسة ذكر .

هكذا شب الفتى .. ينهل من معين الإسلام الصافي عبر (الشيخ حسين) ، يواظب على الشعائر والعبادات ، يؤدي دوره الجهادي مقتدياً (بأسامة بن زيد) رضي الله عنه .. وها هو يرقد في زنزانته مصاباً بطلق ناري ، وعلى رأسه كوفية الجهاد الحمساوي.

استيقظ الفتى من سنة النوم التي أكسبته سكينة وهدوءاً ... وقذف الله في قلبه معالم التحدي .. باب الزنزانة يفتح ، تتناوله يد غليظة واقتادته إلى غرفة باردة بها مكتب قديم خلفه رجل لم يتبين ملامحه لشدة الإعياء .. خاطبه فوراً أهلاً بالبطل الفدائي .. كم عمرك؟ أربعة عشر عاماً.. ومنذ متى تلبس اللثام وتكتب على الجدران ؟ لم ألبس لثاماً أو أكتب شيئاً على الجدران وأنا ولد صغير .. يضحك رجل التحقيق بكل قوة .. ومن علمك هذا الرد ؟ لم أتعلمه من أحد .. إذاً لماذا هذه الكوفية ؟ كنت ألبسها لاتقاء البرد وأنا ذاهب لصلاة الفجر.

يشتد الرجل في حصاره على الفتى .. ويشتد الفتى دفاعاً .. تقّيد يداه ويضغط على جرحه قبل أن يستقدم طبيب السجن لتضميده .. ولكن هيهات ... هيهات .. هذا الشبل يزأر زأرته الأولى.. كيف ستكون الثانية وما يليها.

مكث (أنور) في السجن أربعة شهور لم يعترف بالتهم المنسوبة إليه ، رغم كل الأدلة التي تحاصره ، خرج (أنور) دون أن يرضي غرور الجلاد . وما أن انقضت الشهور الأربعة وخرج (أنور) حتى عاد إلى حبه الكبير .. الجهاد .. المقاومة ... اللثام ... المسجد .. صلاة الفجر.

واليوم أنور يعيش بفلسفة التحدي بصورة أكثر شموخاً وعزاً وإباءً يرسمه لنفسه منذ اللحظة طريقاً معمدةً بالدم وممهرة بالجهاد والاستشهاد.

لم يكن التدرب على السلاح متوفراً ، فالتحق متدرباً على فنون القتال ، فأبدع مهارة القتال بالننشاكو (العقلة) وغدا من الأسماء اللامعة في هذه اللعبة واستمر في تواصله الجهادي والعمل ضمن مجموعات ولجان حركة المقاومة الإسلامية (حماس) لينفذ برنامجها الجهادي بكل أمانة وحرص وإخلاص .هذا الولاء النقي والإخلاص المتفاني دافع كبير (لجماعة الإخوان المسلمين) كي تعرض على الفتى الذي لم يتجاوز الثامنة عشرة الالتحاق بصفوفها عضواً عاملاً، خاصة وهو يقود النشاط الطلابي في (مدرسة فلسطين الثانوية) ، وهذا النوع من الأنشطة يحتاج إلى رجل فكر وعقيدة، يفهم المنهج ويدرك أبعاد الطريق ، وقد كان أنور نعم الرجل الذي ينتظره مستقبلٌ واعدٌ في العمل الإسلامي.

المجموعة الأولى للصاعقة الإسلامية 

ويوم أن قررت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) تشكيل جهاز الصاعقة الإسلامية الخاص بملاحقة العملاء والساقطين والمنحرفين ، حتى يتفرغ الجهاز العسكري (كتائب القسام) للعمل ضد قوات الاحتلال والمستوطنين، تم اختيار الفتى المجاهد ضمن المجموعة الأولى للصاعقة الإسلامية في منطقة (حي الدرج).

هكذا كانت تنقضي أيام (أنور) ، يخرج من بيته إلى صلاة الفجر ، يتنقل بين مواقع الجهاد مشرفاً على عمل لجان (حماس) في منطقة الدرج، وعاملاً في مجموعة الصاعقة الإسلامية ، يكتب التقارير الأمنية ويرصد العملاء ويحاصرهم ، وينطلق إلى مدرسته يقود جموع شبان (الكتلة الإسلامية) ، ويعود إلى مسجده (عز الدين القسام) يتلقى العلوم الإسلامية ، وينضم إلى أسرته الإخوانية نهاية اليوم يعضد م معاني الإخوة .. ولا يعود إلى منزله إلاّ ليلاً ، ويسأله والده دوماً عن سبب التأخير ويأمره ألا يتأخر.

لم يكن الفتى يعيش لذاته .. أمضى حياته من أجل الله ، فكان الاختيار الإلهي عزيزاً سريعاً كريماً ... ويوم أن أعُتقلت مجموعة من المجاهدين في منطقة الدرج انقطع (أنور) عن التردد على منزله حذراً واتقاءً حتى قدمت قوات الاحتلال تداهم المنزل الساكن بنور الإيمان الهانئ بنعمة الهداية ... حاصروا المنزل فتشوا كل شيء وقلبوه رأساً على عقب ... عن أي شيء تبحثون ؟ عن السلاح واللثام والصاعقة وحماس والكتلة والمسجد والقسام .. نبحث عن (أنور) ... أين ذهب ؟؟!!

المطارد القسامي العنيد

اختفى (أنور) ليعلن التحدي الجديد وتبرز شخصية هذا الفتى الذي أنهى دراسته الثانوية هذا العام فقط .. ولكن رجولته وفورسيته تسبق عمره ..
وها هو يلتحق بصفوف المجاهدين المطاردين من (كتائب الشهيد عز الدين القسام) ، ولم يكن قرار المطاردة خياراً سهلاً ، خاصة في هذا الوقت العصيب ، حيث تحاصر قوات الاحتلال كل شيء بحثاً عن القساميين الاستشهاديين الذين دبوا الرعب في قلب دولة العدو رداً على إبعاد المئات من الإسلاميين إلى مرج الزهور.

وها هو الطوق الأمني يلف قطاع غزة ... ودوريات قوات الاحتلال على البحر ، وفي البر تملأ كل مكان ... وها هي الحدود مغلقة .. ومع ذلك روح الاستشهاد تهيمن على الفتى الهادئ الصلب الذي امتشق السلاح القسامي بكل عز وإباء ، كم كان يحلم بهذا اليوم .. كم يعشق الخلود .. فانطلق يواصل عمله الجهادي القسامي في أسلوب جديد ... يمتشق السلاح ويخرج مع مجموعة من المجاهدين المدربين جيداً .. ينطلق نحو هدفه على الطريق الشرقي .. قرب مدرسة يافا في غزة .. في شارع الوحدة وعمر المختار... قرب نتساريم .. يصلون دوريات الاحتلال بوابل من رصاص العز لا يهابون المواجهة الدامية ، بل هي حلمهم الذي لا ينتهي... أمل الفتى الباسم لا يمل تكراره والدعاء والتضرع إلى الله أن يرزقه الشهادة وأن يسطر بدمه ملحمة جديدة على الأرض الطاهرة.

مثالاً للسمع والطاعة

ولم يكن (أنور) الفتى اليافع أن يعصي أمراً أو يرفض قراراً ، فكيف إذا وجه إليه هذا الأمر شقيقه وأستاذه (الشيخ حسين) . فلمّا تقدم الشيخ نحو شقيقه طالباً منه الاستعداد للمغادرة كانت عينا حسين تترقرق بالدمع ، أما (أنور) فقد أخفى كل عواطفه ولم تكن إلا إجابة واحدة سمعاً وطاعة.

وما أن اختفى عن الأعين حتى انهمرت الدموع من عيني الفتى تغرق الأرض العطشى للدم .. يضرب بيديه الأرض يتمتم ... ما على هذا تمت البيعة ... لماذا أخرج ..؟ أين أذهب ؟ .. كل الدنيا سجن لنا .. فوزنا الوحيد الاستشهاد هنا .. لماذا لا نستشهد .. لماذا ندفن رأسنا في الرمال .. نقبل الهوان.

كان يدرك الفتى في ذاته كل مبررات الخروج .. لكنها كانت في نظره مبررات مادية واهية.. يردد .. يجب أن تظل هاماتنا عالية .. كالنجم .. يجب أن تبقى أرواحنا ذاتها تهتف للوطن وتحمل بشارة الحرية والخلاص ... يجب أن نبيع الحياة ونشتري الجنة .. نشتري فلسطين والأقصى .. ليأخذوا منا الدموع والدماء ... المآقي والقلوب ... يجب أن نستقبل شمس البطولة التي تأبى الغروب طالما دماؤنا مداد أشعتها الذهبية النضرة .
ورغم هذه المشاعر الفياضة لم يبد الفتى الطائع أي اعتراض .. ووجه رسائله الأخيرة إلى والده ووالدته راجياً منهم المغفرة والمسامحة ، وألا يحزنوا لفراقه وعليهم دوماً وفي كل سجود أن يدعو له بالشهادة ولقاء الله تعالى ، فهي أمله الوحيد ، ويوصيهم بالصبر والثبات إن رزقه الله هذه الأمنية الغالية.

أرسل أهله له يذكرونه يا (أنور) ألم نقل لك يجب أن تبني مستقبلك بعد انتهاء مرحلة الثانوية ، لماذا تذهب إلى هذا الطريق الصعب الشاق ؟ ... تذكروا إجابته حين رددوا عليه هذه العبارة .. قال لهم بيقين الواثق : " إني أعرف مستقبلي جيداً " .

ما هو المستقبل الذي تعد نفسك له ؟ سوف ترون قريباً ما هو هذا المستقبل .. سوف تغارون مني ، وأرجو أن تفعلوا ما أفعل وتسيروا على نفس المستقبل .

تبقى هذه القلوب المتيمة بالشهادة 

إذاً أيها الفتى تعرف إلى أين تتجه ؟ وما هي مشروعاتك المستقبلية . ، كان خيارك واحداً وطريقك مستقيماً .. سدد الله خطاك . امتطى الركب القسامي صهوة القلق وشد الرحال نحو الجنوب ، حيث تقرر مغادرة أرض ذات الشوكة .. إلى أين ؟؟!!

إلى أين أيها الراحلون ..؟ يردد أنور في نفسه .. أي سماء سوف تظلكم .. وأي بلاد سوف تحتويكم ..؟؟!! هل ستحفظكم على ظهرها أم في باطنها ؟ أما في مقابر الأحياء.. حيث لا حياة مع الحياة ... لماذا تغامرون بمستقبلكم المشرق ؟ .. لماذا تضحون بالشهادة بعد أن غدت قريبة تهيم الروح التواقة للخلود .. وما دريت أنها تسلك درب (طارق القسام) .. الذي يمّم شطر الجنوب ولكن قبلة القلب كانت إلى الجنة والخلود ... فكان له ما أراد.

ها هو الركب يتقدم للخروج من أرض الرباط بعد أن تم إعداد العدة عبر نفق يربط بين جنوب فلسطين مصر ، وما كاد الركب يضع أقدامه الأولى في طريق الخروج حتى انطلقت رصاصات كثيفة تمنع أصحاب القلوب المهاجرة إلى الله التي صدقت الله ما عاهدت عليها .. تمنعها الهجرة .. تصر على أن تبقى هذه القلوب المتيمة بالشهادة .. المتيمة بالأقصى ألا تغادر.

رائحة البارود تعبق المكان .. وعشرات منها تستقر في جسد الفتى المجاهد ، (أنور) يمتطي صهوة الخلود برصاصة تستقر في رأسه تنقله إلى دار القرار ، لقد رفض القرار في ذاته ، واختار الخيار الأوحد .. الشهادة .. طريق العائدين إلى درب المستحيل .. احتضن (أنور) الموت وصعد الشبل الباسم إلى عليين كما أراد .. كان يمضي قلبه راحلاً إلى الله .. وأراد الله ما أراد عبده فانتظرته الرصاصة على بوابة فلسطين .

تناسقت أرواح الراحلين 

تناسقت أرواح الراحلين .. وتمازجت .. تعانقت .. غطت أفق فلسطين الممتد كحدود الشهادة بلا نهاية .. تكاثفت الغيوم على ألحان أعذب سيمفونية يعزفها البشر على الأرض .. سيمفونية الشهادة والخلود ... تقاطرت ماء السماء في شهر مايو (في مشهد نادر) ، وانتشرت تروي الأرض الظمأى .. تقذف الرحمة في قلوب أهل فلسطين ، تحمل لهم البشارة .. اتقوا الله وجاهدوا في سبيله تفتح عليكم بركات من السماء والأرض.

أي يوم هذا الثامن من مايو من العام ألف وتسعمائة وثلاث وتسعين ، أي يوم تزف فيه كوكبة مطهرة وثلة كريمة من الشهداء إلى الحور العين في عرس ملائكي عز نظيره.

سرى الخبر كالنار في الهشيم وانطلق الهتاف والتكبير والأغاريد تؤدي عرس الشهادة على الأرض .. والجمع المبارك تذكر بكل فخر واعتزاز الشبل الوسيم الوضاء .. أي يوم يرحل فيه أنور وحسين وحسن وعماد وبسام وخالد دفعة واحدة .. تذكر الجمع الإخلاص والتفاني حتى أحبه الله ، فجعل محبته في قلوب الناس.

وآل الفتى الباسم .. دعوا الله قبوله وأخيه الشيخ حسين شهيدين كما أوصاهم ، وقد قذف الله في قلوبهم الصبر، يذكرون الفتى الذي أصر على مواصلة الطريق رغم كل ما وجد من جهد ومشقة .. فقد كانت الجوارح تعبر عن حقيقة ما استقر في هذا القلب الصغير من إيمان كبير بالله تبارك وتعالى وقداسة الطريق الذي سلك نحو جنة عرضها السموات والأرض، ودعوا الله أن يكون شفيعاً لهم يوم القيامة.

وفي ثالث أيام عرس الشهادة أقيم حفل عظيم وداعاً للشهيدين (أنور وحسين) ، واحتشدت الألوف في حفل الوداع تقدم التحية ، للبطل المسافر سريعاً نحو الجنة بعد أن ركب المستحيل وامتشق العزيمة ، فانتصر بهذا الفوز العظيم والاختيار الإلهي الكريم .

تم ارسال التعليق